الشرق
عامة شاملة
رؤيا في ميدان دمشق - ابوطالب البوحية

رؤيا في ميدان دمشق

قصة قصيرة

ابوطالب البوحية/ صحفي عراقي

 

(الذاكرة منارة العقل ، وآه لذاكرة غارقة بالحزن)

 

وهو يتطلع من نافذة الحافلة التي تقله يومياً من مكان عمله الى مستقره في بيت ضيق صغير ، عند الطابق الرابع من بناية موحشة ، الشقة التي تواجه شقته ، لامرأة تركها أولادها مقعده بعد أن خرجتهم من اكبر جامعات العالم ، وصارت اوربا وجهتهم الابدية ، الطوابق الثلاثة  التي تقع تحت شقتيهما فارغة ، أصحابها امتهنوا الرحيل والبعد والمال الوفير .

تتوقف الحالفة في احدى اماكن الوقوف المخصصة ، وهو يشاهد مناظر الناس الموهومين بالحياة ، ثلاثة اشخاص تعكس مرآة احد الدكاكين اجسادهم ، واحد طويل القامة لون بنطاله اسود ، وقميصة الاحمر المزركس بالورد ، والاثنان القصيران الاخران لم يلحظ لباسهم بالضبط ، حاول بحركات سريعة انتبه لها الجالسون على مقربه منه حاول ان يجدهم على الحقيقة ، كانت الشجرة الفارعة الطول وحدها امام المرآة ، فضن انهم معلقون عليها ، ولم يجدهم !!

لم يكن مجنوناً كما يتخيل لمن يسمع كلامه عن رؤياه للاشياء الغربية ، بل كان محط استفهام كبير على الكاتب ونفسه واقرب مقربيه ، تلك الملئية بالشحم المسرطن، صاحبة الجرح الذي يمتد من بداية اسفل عنقها الى اسفل معدتها ، هذا الجرح كما تتحدث لمياء انه الجرح الاول في حياتها ، الذي جعلها بين حافة الانزلاق الى الموت أو الحياة في التعاسة المنقضية .

-   لولا سبحانه وعطفه ورأفته على أبواي لما خرجت سالمة من عملية أخرجوا قلبي من جسدي المتين ليصلحوا ما عطل منذ الولادة .

ولمياء منذ زمن لم تذكر اسم الله على لسانها بل كانت على الدوام تستدرك عند ذكراه وتقول (سبحانه) وحين سألها ماجد دخيل يوماً لما هذا الابتعاد عن لفظ اسم الله ، قالت :

-       فمي الذي غرق بالمنكرات يستحي بأن يذكره.

فكانت علامة استفهام كبرى اخرى في حياة ماجد ، تلك التي تمتهن الفساد احياناً تخاف الله اكثر من بعض المتعبدين زوراً .

يقول لها :

-       مرة رأيت في يوم واحد خمس نساء منتفخة بطونهن بأجنة قرب نزولها للدنيا ، والدموع تنسكب من اعينهن بلا هواده .

يلتقيهن كل على حده ، في طرق وشوراع تتقاطع ، شمالية واحدى نحو الغرب تتجه ، وحين يجلس لارتشاف شاي العصر .

وترد :

     - وانا الست اكبر المختلفات عندك ؟

يوميء برأسه موافقاً ، ثم يبتسم .

دمشق المدينة الكبيرة في نفسة ، الصغيرة في نظرة جغرافياً ، كل شوارعها أدمنت خطوات اقدامهم السريعة .

حين لبى دعوة لها لزياره (الميدان) مدينة صباها ، كان المساء ، وتلك الشوارع الضيقة ، المساجد ، مدرستها ، دكاكين ، وحديث عذب ، وتوصية لاتصال ليلي متأخر ، ينفض في الأسلاك وأسماعهم آخر ما تبقى من يوم شاق ، في احدى الزوايا الضيقة  المقابلة لحارة تفوح منها رائحة الأكل اسرت له بأنها تعشق غيره ، رغم ذلك تنتشي في الحديث معه ، تجد طعماً من الامان الذي تفتقده ، وصدقاً قل ما يعرض .

كما يعهده كل من يعرفه ، استقبل سرها ببساطة ، وقال :

     - استطعم الاسرار ، وآه لقلبي ، اي خزنة للاسرار هو .

تسأل :

     - ما بحتُ به يُرهقك ؟

يجيب :

     - ابداً ، لو قلتِ انكَ ، تملكني ، تأسرني ، تشدني ، احبك ، كنتُ قد غرقت بالارهاق ، انا الراحل دوماً ، الضائع والمضيع ، العارف والجاهل ، لن اذوّقك طعم الفرح ، او السكينة ، او الاستقرار.

طيلة ايام دراسته ، شخصيته الكاريزمية ، أوصاف شكله ، ثقافته العامة ، صوته الحارس ... أذاب قلوب النساء به ، ولانه غيرقادر على التواصل ، جعل من الهروب صورته ، كل المحاولات لم تنفع  فغرق بأرقامهن والعناوين .

اليوم هو الرابع من من آذار ، يتطلع على بطاقة سفره لتخبره بموعد الرحلة ، التاسع من آذار الساعة العشرون تصيح المضيفة (( الطائرة في طريقها للاقلاع ... يرجى ربط الاحزمة )) .

يشد كتابه على صدره بعد ان ربط الحزام ودعا:

     - (( يارب انك اعطيني العيون لأستانس بما اقرأ ، واعطيتني السمع ، لأعي مواطن الخطر ، رب لك أنَبت حالي ، ان كتبت منيتي ، أدعوك ان تكون وانا طائراً في سماءك ، محلقاً في كونك ، فليس لي من احد يزور قبري)).

عند قاعة استقبال المسافرين ، بعد العناق الطويل يسألة صديق :

     - ماذا تركت وراءك ؟

يجيب بسرعة كأنه يعرف السؤال مسبقاً :

-       اغلى ما عرفت ، ورسالة.....

 

 (لمياء ، جبهتك المضيئة ، أحاديثك ، أنتِ ، كنت ذكراي التي تأبى النسيان ، الوحيدة التي ارهقتني ، الوحيدة التي امتلكتني ، الوحيدة التي اسرتني ، احبكِ ، انا الكاذب الكبير) .

 

 

 

 

 

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية