وجه العام وجه العدو*
ابوطالب المالكي
ما عادت ذاكرتي تنفع ، من ذلك الملتحي الذي ناداني باسمي وحياني كأنه صديق حميم، يضرب بيده اليمين على قدمه اليسرى بعد أن رفعها على القدم اليمنى ،ينفث دخان الأركيلة التي تعودها حديثاً ،ويضحك.
كعادتهم يجتمعون عند عبدالله الأخرس ، أربعة في انتظار يوم (رأس السنة) فلكل واحد منهم طقوس خاصة للاحتفال يعتمدها ذلك اليوم :
احمد ألجلبي: آمال أول الأصوات التي يسمعها صباح العام الجديد ويتخذ بعدها من بيته ملاذه الوحيد طيلة ساعات اليوم الأول للسنة ، يستقبل الأهل والأقرباء، وضيوف أخر، خصوصاً إن أباه رئيس بلدية (منتخب).
يعقوب الخصيباوي، شيخ (الشلة)، يؤدي الفروض بأوقاتها ملتزماً بصلاة الجماعة التي طالما يصفها بـ (غذاء اليوم)، يقضي اليوم الأول من السنة في أبي الخصيب تلك المدينة التي تحمل آلاف القصص تحت كل نخلة وشجرة تحتويها أرضها، إحدى مشاكله عشقه للعباءات السود التي ترتديها نساء مدينة إقامته،أما أقدامهن فوجعه وحيرته الأبدية.
غسان مطر حالوب ، شبيه جدته، طالب الدراسات العليا في الأدب العربي، الأكبر سناً في (الشلة)، كانت طقوسه طبيعية بالاحتفال، غير إن اختلاف طقوس الثلاثة الآخرين يجعله بعيداً عنهم ، ويكتفي معم باتصالات هاتفية باردة!!
عبد الله الأخرس: فنان القنص المحترف عبر (المصيدة)* أو (النبلا)* أو(النقيفه)* ، الوحيد في داره بعد وفاة أبويه بحادث سير، أخته نرجس المتزوجة من ابن خالته تسكن في مدينة أخرى تبعد عنه بما يقارب سبعمائة كيلو متراً ، طقوسه ذلك اليوم هو زيارة قبر والديه المدفونين في مقبرة النجف، يضع إكليل الورد على شاهدهما الذي أبى أن يُفصل بعد أن جاهد لأن يكون القبرين متجاورين، بل وملتصقين أيضا.
سمي بالأخرس لخصامه الكلام و سكوته الدائم وهدوءه الواضح وطغيان تغاضيه عن أي سب أو شتم أو ضربة يتلقاها من أبناء منطقته، أو زملاء دراسته في الابتدائية، والده طالما قال: إنني لم انجب ولداً وبنتاً، بل انجبت بنتين!
كعادتهم يتعاونون من اجل عشاء يسد جوعهم الدائم ، الليل حل وصباح الغد اليوم الأخير من هذا العام ، ستطوى أحلام تمنوا نيلها ، مسحات وجوههم تكاد أن تتشابه، فمشاكلهم تجتمع بمستقبل ضائع وبلد محتل وذكريات تحمل الفراق المر بين طياتها ووحدة قاتلة رغم تعدد معاني من يلتقوهم.
- لابد لنا من التغيير.
"يفتي شيخ الشلة، يعقوب الخصيباوي"
يردف غسان موافقاً دون علم لنوع التغيير ومعناه،
- من المعتاد إن استمرارية الشيء يجعله في خانة الممل، وها نحن منذ سنين اعتدنا جدول يوم افتتاح العام الجديد، لم نحاول تغييره،إنني مللت حالي وتصرفاتي.
سبقوا عبدالله الأخرس بالفكرة، الأيام الماضية أوغل في التفكير بشيء جديد ، يراه مناسباً ، ومتقداً ، يجهز فيه على تراخي الأعصاب والنوم الوفير.
- لقد سرقتم فكرتي ،وددت أن أخبركم بوجوب التغيير!
رد غسان :
- الم اقل لكم إنني موافق
- وعن أي تغيير موافق أنت؟
صوت يدعوهم للعشاء الذي وضع على الأرض فلم يعتادوا الجلوس على طاولات للأكل، احمد الجلبي اعد لهم طبخة تعلمها من آمال ، تلك المملوءة باليأس والنحيب الدائم.
اتفقوا بعد العشاء على التحاور في موضوع تغيير بعض تفاصيل حياتهم وكي لا يكون كبيراً ذلك التغيير، اقروا أن يكون البدء في اليوم الأول من عامهم، المنتظر بعد عدة ساعات، وان لا يخرج عن معنى تفاصيل حياتهم الدقيقة .
احمد الجلبي، كان لرأيه الأفضلية بالقبول، طلب كتمان ما يودون فعله لحين اللقاء الذي يعقب تنفيذ الاتفاق، ليروا صاحب التغيير الأكبر والأنفع لنفسه.
رن الهاتف ، صوت مطر حالوب ، عامل الكهرباء الأقدم ... ذاكرة المدينة وشاعر المختلفات، يطلب ولده غسان.
-السلام عليكم....
- ياهلا أستاذ ....
-غسان
-خرج للتو اليكم ، ليلة أمينة ، لا لصوص فيها ولا شرطة أو جنود.
-(يكركر ابوغسان)، وعليكم أيضا.
"أبي، كنت بنتاً لك لا ولد ، رحمك الله ... أمي ، فرحتي وصدر غفوتي الهانئة شوقي لكم كعصف عظيم ... وحشةٌ هذا البيت بعد رحيلكم، خذوني لكم ، مللت الانتظار".
"ربي اشتاقت لك روحي ، متى تأخذها لتراك....."
"فكرت بأن اترك زيارتكم هذا العام، رئتاي لا تقويان على التنفس والبكاء في آن واحد."
"وسأفعل......."
افكاره تتصادم، يرتجف، لم يعتد شجاعة اتخاذ القرارات ، فكر ملياً بما سيفعله بعد غد، حاول ان يكتب،تراجعت يده عن القلم،أحال بصره لناحية من البيت كان فيها صندوقٌ قديم يحمل حاجياته، بعض كراسات الرسم التي تباهى أمام أقرانه أياما بها، العاب كان يقضي بها وقت طفولته ، دواوين شعر للمتنبي ومالك بن الريب ونسخة بالية لمقامات ابن الرومي، لم يفهم منها شيء ، وتحت كل ذلك مصيدة استعملها لقنص الطيور وبعض ممن يعتدون عليه، كان يتخذ زوايا لا يُرى فيها بسهولة،يسحب مطاط المصيدة بعد أن يلقمها بحجر كان يخصه أباه فيه من (جبل سنام) المعلَم الغريب وسط مدينته الصحراوية القاحلة، عرف هذا الحجر بقوته وصلابته وألوانه المتنوعة،(كتبت إحدى الصحف البريطانية في احد أعوام العقد الأربعيني من القرن الماضي "مدينة البصرة ترصع شوارعها بالذهب" إذ أمرت الإدارة المحلية في المدينة ذلك العام باستعمال الحجر مكوناً لمادة رصف الشوارع الرئيسية في المدينة، وكان جبل سنام مزوّدهم الأساسي بالحجر)، يطلق حجره فتصيب مايريد ، إن كان طيراً، يترحم عليه ، وان كان غير ذلك، يتوارى هرباً.
تمتد يده عليها ، ينفض عنها غبار سنين، تحتاج إلى تبديل المطاط .
- حتى هذا ماعاد مثل السابق!
يقول لبائع الطيور والذي يبيع أيضا أنواع متعددة من المطاطيات التي تستخدم لهذا النوع من المصائد.
فيجيب:
- غداً عام جديد، واليوم بسنته سيصبح سابق،واليوم كالمعتاد أفضل من الغد، فالسابق أفضل من الحالي.
"أي مشاعر مأساوية تصيب الناس، تنخر صفوفهم، تأكل معهم وتمشي أين ما حلوا تبادرهم بالسبق دوما والحديث الأخير."
قرأ مرة :
أسعيد أنت؟
أنا سعيد.. كل السعادة،
حين أصبحت لنا ضحكات
الحزن عادة..
في الطريق ، عائداً إلى بيته، كالمعتاد يصادفه رتلا لقوات الاحتلال البريطاني الذين اعتقلوه أول دخولهم المدينة ، رغم خرسه الدائم ثار ساعتها عليهم فأودعوه المعتقل أربعة أيام خرج منها مزهواً بنضاله!!.
- نصيب احتفالي الجديد انتم، سألتقيكم غداً.
نطقها بصوت مسموع ، كأنه أراد أسماعهم، لم يفهموا لغته، واصل بإقدامه المشي وعد الخطوات الباقية لداره الموحش.
ليلاً رفض اللقاء (بالشلة)،لأسباب تتعلق بالتغيير كما وصفها ليعقوب الخصيباوي الذي تبين انه لم يغادر إلى ابوالخصيب فأنكشف جزء من أمر تغيير برنامجه.
اخرج من درج والده في غرفة نوم أبويه (يشماغ) يرتديه أباه دوماً،رغم قدامته ، ضمه إلى فمه.. قبّله.. ثم شمهُ منهياً فصل الذكريات بهرير من الدموع والحرقة.
"أبي رائحة الطيب ومسك الطفولة ، صباحاً سيكون لك ابنٌ، مزهوٌ بشجاعته ولسانه الفصيح لن ازوركم غداً انت وامي فلي اعز يحتاجني."
يوقّت ساعته المنبهة على الخامسة صباحا ، يمد جسده في الفراش، يأذن لعينيه بالمغيب.
الجنود البريطانيون اعتادوا الحركة فجراً في شوارع المدينة على شكل دوريات راجلة وأخرى تكون أداتهم في الحركة العربات المصفحة أو سيارات (الجيب).
عبدالله الأخرس كان على علم بذلك،مثلما هو متأكد من سيرهم بالعربات في إحدى الشوارع القريبة من بيته.
رن جرس الساعة الخامسة، نهض مستفزاً،ارتدى ملابسه، (اليشماغ) على كتفه والمصيدة علقها في رقبته، عدة حجرات من (سنام)، أغلق باب بيته بهدوء، واتخذ طرق فرعية للوصول إلى الشارع المطلوب،أنهم في مرماه.. عربتان ورأسان لجنديين بريطانيين يبرزان من فتحتهما العِلوية، يهيئ نفسه للقنص.. يطلق .. يصيب احدهم بينما الآخر يذوي هرباً داخل عربته... لم يسمع سوى صرخه، وصوت ارتطام الحجر بــحديـد العربة بعد ارتداده من وجه الجندي.
إنها ولادة عبدالله محسن المنشدي.
* قصة حدث في العراق مدينة البصرة في الايام الفاصلة بين عامي 2007/2008.
* المصيدة أو النبلا أو النقيفة : معنى واحد لأداة تستعمل للصيد.








